تأثير الإعلام على المتلقي العربي

إن الصورة بألف كلمة , في عالم تجاوز فيه المواطن العربي خصائصه وهويته , وأصبح العالم قرية صغيرة , بفعل التقدم التكنولوجي سواء منه العلمي أو التقني , حيث أضحت العولمة هي صانعة ذاك المواطن العربي الجديد , الذي ما فتأ أن كان العقل قائده في مركب الحياة , فأصبح راكبا فيه , وأي راكب ؟؟؟ لا يعي ما يدور حوله , وإن رياح العاصفة قوية , أدت إلى إتلاف ماهو جوهري لديه , وهو العقل .ولعل أن أخطر تهديد يهدد وجوده القائم , بوصفه عقلا , هو سيطرة الشيء فيه , وهذا ما نراه مع نيتشه الذي قال أن الشيء أصبح قيمة في حد ذاته , و أن جوهر الإنسان العقل أصبح يخضع للشيء , ومن هذا كان الإستيلاب الذي رافقه , بمجرد أن خضع لدوامة الخضوع للشيء.وإن العالم اليوم كما يقول الشاعر والروائي ليور : تسعة أعشار حياتنا نعيشها في هذا الزمان مرتبطة بماضٍ بلا مستقبل , وإنما هي حالات تجعلنا نتوهم ونعيش أحلاما و أوهاما .ولعل أبرز ما يطبق على هذه القولة , هي تلك الآلة التي تحمي نفسها من الضياع وتقيم قانونا زجريا لها , بناءا لبقائها المطلق , وهي التكنولوجيا الحديثة عبر أجهزتها ( الحاسوب ـ التلفزيون ـ الهاتف المحمول ) , تلك الآلة التي جمعت كل أنواع البشر باختلاف ثقافتهم وهواياتهم وجنسياتهم , وجعلتهم ينظمون تحت لواء الجمهور أو الملتقي عربي ـــ غربي .تلك الفئة ( المتلقي العربي ) التي لا تخضع لأي شكل من أشكال حمل الهوية إلا هوية المجتمع الفردي الذي يرتكز على ثقافة الإستهلاك بلا هوادة, حيث يحقق اللذة والمتعة واللهو للحظة الآنية , هنا يحضرنا في هذا المقام الفيلسوف الذي نَـــظــَّرَ رؤية عميقة لهكذا ثقافة , ورأى فيها أنها موت للواقع مع جون بودريار الذي كان برؤيته هذه , حلل ظاهرة كيفية موت الواقع لدى الإنسان وارتباطه بكلما وهمي وصناعي مصنع , وهذا ما قاله في كتابه المصنع والمصطنع , وقبله بزمن ليس بقليل ذهب جاك دريدا وبول ريكور في نفس المنحى.إن بودريار حلل ظاهرة موت الواقع , انطلاقا من الحياة التي يعيشها الإنسان المعاصر , وكيفية أنه أصبح يعيش بلا عقل , وتطغى ثقافة الإستهلاك بلا هوادة عليه .وقد وظف بودريار ثقافة الصورة وكيفية تأثيرها على المتلقي من خلال مقالتين بارزتين الأولى حول أحداث 11 من أيلول عالج فيها الصورة التي رافقت انهيار مبنى التجارة العالمية وكيفية تأثيرها على الجمهور الغربي عامة والأمريكي خاصة , ومقالة ثانية برنوغرافيا الحرب التي جعل من صور السجون الأمريكية و العراقية بالعراق وخاصة سجن أبو غريب , حيث جعل من صور سجن أبو غريب نموذجا واضحا للتأثير صناع القرار في المتلقي العربي الذي يأخذ الجاهز دون التفكير فيما وراء نشر تلك الصور ....إن المتلقي العربي فاقد لخصوصيته , وفاقد للعقل الذي يجعله يقيم بناءا وإعادة البناء لكل الأفكار , ولا يقبل بالأفكار الجاهزة , هذا التفكيك لما وراء ما يقدم للمواطن العربي من الأفكار إستيلابه الذي ترافقه الآن يحول دون الاستخدام الجيد للعقل , وبالتالي يكون مستهلكا بامتياز لثقافة وأفكار لا يعرضها للعقل .وطبيعة التقدم التكنولوجي سواء عبر الشبكة في العالم الإفتراضي أو عبر التلفزيون , يقوم على إبراز الأوهام والأحلام وإرسالها للجمهور المتلقي العربي , حتى يأخذها بقبول سطحي الرؤى , لا بتفكيك ذاك الشيء المقدم وإعطاء إنتاج جديد له , عبر إثارة النقد و إنتاج قناعة معينة هل بالإمكان أخذ ذاك الشيء أم لا ؟ وهنا نتذكر هابرماس في تصوره لإعادة بناء الشيء المقدم لنا عن طريق نقد ذاك الشيء , بمعنى علينا أن تكون لدينا ثقافة النقد الذي يجزأ كل شيء و يخضعه للعقل .إنما يميز تلك الآلة البسيطة في التركيب التقني ( الحاسوب ـ التلفزيون ـ الهاتف المحمول ) تحمل لنا أشياء منها ما هو حقيقي ومنها ما هو مزيف في نقاط مشتركة كيف ؟.إن الصورة الحقيقية التي يقدمها كل من ( الحاسوب ـ التلفزيون ـ الهاتف المحمول ) تضفي طابعا إغرائيا , استهوائيا , يجعل الجمهور المتلقي العربي فاقد الوعي , ويضفي على الصورة الحقيقية الألوان الجذابة التي تجعله منبهرا فيها , وأيضا تكبر وتصغر من حجم الصورة حسب ما يريده المريدون من إيصاله للجمهور المتلقي العربي , وهنا تكمن الصورة الحقيقية التي وضعت في ( الحاسوب ـ التلفزيون ـ الهاتف المحمول ), لم تعد حقيقية , صافية , ثابتة , بل تدخلت فيها عناصر الجاذبية و الإغراء , والتضخيم أو التصغير , وأكبر مثال على ذلك مبنى التجارة العالمي وهو آيل للسقوط , وتمثال صدام حسين وقتله ... كيف صورها الإعلام و كيف سوقها صناع القرار في العالم لتسويق إيديولوجياتهم .أما الصورة المزيفة , فهي تكون واضحة المعالم , زيف وكذب وخداع , وتقيم عليه التقنية التكنولوجيا من ( الحاسوب ـ التلفزيون ـ الهاتف المحمول ) , إبراز الإغراء فيها بشتى الصور والألوان , والتي تجعل من المتلقي العربي يذهب وراءها في استيلاب مطلق , أبعد من الواقع المعاش وهذا ما نراه في كتاب بورديار عن موت الواقع , الذي يفقد الإنسان وعيه كإنسان عاقل , يخترق حدود الواقع ويعيشه في أحلام زيف وكذب , وهنا نستدعي في هذا المقام دور الإعلام الغربي مع العربي ومن وراءه من أجهزة في تغبين المواطن العربي , وجعله يدخل في عقد يعرف مسبقا أنه متعرض لحالة الغُـــبْـــنْ والغش , فتقيم هذه الأجهزة المريدة للعالم عدة أشياء ولا تقيم لأخلاقيات التواصل أي معنى , وهنا تأتي نظرية ميكيافيلي في الغاية تبرر الوسيلة , وتستعمل الإشاعة الإجتماعية , التي تجعل من المتلقي العربي يعيش في قلق , هل صحيح وقع هذا الشيء ؟ولا يسأل لماذا وقع هذا الشيء ؟ وكيف وقع هذا الشيء؟ ولماذا في هذا الوقت بالذات وقع هذا الشيء ؟.إن الإعلام بصفة عامة و التقدم التكنولوجي التقني من ( الحاسوب ـ التلفزيون ـ الهاتف المحمول ) بصفة خاصة , جزء لا يتجزأ من جعل الموطن العربي المعاصر مستهلك بامتياز , والصورة فيه تجعل المتلقي العربي بعدما تم إغراؤه بتلك الصورة من ألوان جذابة , و الصور الحالمة الخيالية , يبتعد الإنسان عن عالمه الواقعي ويعيش في كوكب آخر ليس موجودا إلا في الخيال , وهنا يتفق التقني والتكنولوجي والإعلامي بالشاعر والكاتب في الخيال الواسع الذي يحتويهم ... بهكذا صورة يكون المواطن العربي بسهولة قوية جذبه إلى إيديولوجيا معينة مهما كانت ... في الماضي القريب كان شبه مستحيل السيطرة عليه لكن بفضل التقدم التكنولوجي والتقني أصبح من السهل جدا خلق فئة شاسعة من الناس يحملون فكرا وإيديولوجيا معينة ولا يعرفون لماذا يحملونها ولا أين يكمن مغزاها وهدفها ...وهكذا تصبح ثقافة الصور عبر الإعلام في أجهزته ( الحاسوب ـ التلفزيون ـ الهاتف المحمول ) , أكثر تأثيرا من الكلمة ولها حضور قوي في ثقافة المتلقي العربي , ثقافة إستهلاكية سطحية بامتياز , وهذا ما يجعل إلى ترويج بنى ثقافية جديدة وتصنع ملتقي عربي جديد فاقد لخصوصيته وهويته , التي ماتت وسط الإغتراب الذي يحكمه عبر التكنولوجيا المتقدمة , إغتراب في الواقع أدى إلى إغتراب مع الذات , وإغتراب مع العقل .ولعل السمات الأساسية التي تبنى عليها ثقافة الإستيلاب للمتلقي العربي عبر التكنولوجيا الحديثة بتعدد الأشياء المستعملة فيها كالصورة والإشهار والدعاية , والإشاعة ... وتستخدم في كذا مجال ثقافي أدبي , فني رياضي , سياسي عسكري ... لتسويق إيديولوجيا معينة وهذا لَــــعَـــمْــرِي هو مكمن الخطر , الذي تقوم عليه التكنولوجيا من ( الحاسوب ـ التلفزيون ـ الهاتف المحمول ) , في المجال الإعلامي , الذي أصبح أكثر تأثيرا من أي مجال حتى الأكاديمي العلمي منه , لفرض الكثير من المفاهيم واختزال العديد من القيم والأخلاقيات وسط عالمنا العربي , وفرض وثيرة معينة للحدث بصور شتى ... لا يستدعي للملتلقي العربي إلا أن يتقبلها كما قُــدِّمَــتْ له و لا يعيد النظر فيها ولا بتفكيكها ولا بتحليلها ولا بنقدها, كما أن الكلمات والإيماءات التي تصاحب الإعلام عبر أجهزته ( الحاسوب ـ التلفزيون ـ الهاتف المحمول ) , تكون بذلك الأقوى تأثيرا وانجذابا للمتلقي العربي , وتغيب عليه لحظة الوعي وعمق التفكير .إن الإعلام بصفة عامة والصورة جزء لا يتجزأ منه بصورة خاصة , هي ذاتها شيء , وهذا الشيء لا يعدو وأن يصير عقلا , فهو رمز , وهذا الرمز يستدعي دائما الإغراء والجاذبية المغرية التي تؤدي إلى استرخاء العقل وجعله ينام ولا يصحو منه نهائيا , إلا إذا قام بتفكيك تلك الرموز وتحليلها ونقدها , وبهكذا تحليل يصبح المتلقي العربي غير خاضع للإستيلاب و لثقافة الإستهلاك , وإلا أصبح بلا خصوصية ولا هوية وهذا هو الرهان الذي تتراهن عليه إيديولوجيات متعددة في العالم الغربي علينا نحن العرب .

بقلم : د. الشاعرة فــدوى أحمد الكنعاني التكموتي


تعليقات الزوار

  • كُل المحتوي و التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي موقع الشعر.
  • بعض صور الشعراء و الشاعرات غير صحيحة، نرجو تبليغنا إن واجهت هذى المشكلة
  • إدارة موقع الشعر لا تتابع التعليقات المنشورة او تقوم بالرد عليها إلى نادراً.
  • لتواصل مع ادارة موقع الشعر إضغط هنا.
الوقت المطلوب للقراءة
15 دقيقة و 3 ثواني
© 2004 - 2019 - موقع الشعر