عجبتُ للنذل - أحمد علي سليمان

هل عليمٌ بالداء مثلُ الشافي؟
ثم هل غيرُ الله منه يُشافي؟

إن ربي بمن براهم عليمُ
جلّ ربي الخبيرُ ذو الألطاف

والعباد ما بين شهم ونذل
ما استوى إنسانٌ ذكورٌ وغافي

والمروءاتُ لا تباعُ وتُشرى
فاز عبدٌ ذو سُؤدَدٍ وطِراف

والمعالي لا تحتفي برذيل
غارق في الخذلان والإسفاف

بين شهم وبين نذل فروقٌ
هل كلامٌ فصلٌ رويّ القافي؟

نحن عشنا في غربةٍ واغتراب
في ظروفٍ تفوقُ حد الكفاف

واكتوينا بنار غربة دار
ليس فيها شيءٌ من الإنصاف

واتبعنا الإخاء سَمتاً وهدياً
مُقتدين بالسادة الأسلاف

وتزاورنا فأتلفنا سريعاً
واتصفنا ببذل الاستعفاف

وتعاملنا بالتقى والتسامي
فاحتوانا نورُ الجلال الضافي

واحتفينا بالخير يسعى إلينا
بقلوب إلى السجايا هوافي

وتعاهدنا أن نعيش عِزازاً
نابذين روحَ الهوى والخِلاف

واتقينا حظ النفوس اتقاءً
وسألنا رب الورى أن يعافي

من رآنا قال: الصحابة عادوا
في بهيّ الألقاب والأوصاف

لم نفوّتْ من المناقب شيئاً
فالسواءُ منهاجنا والتكافي

كم تسامرنا في احتفال وفرْح
كل خِل يُشجيه باستظراف

كم تذاكرنا العِلمَ يُضفي علينا
في البرايا مهابة الأشراف

كم درسنا مسائل العِلم تسمو
بعقول تشكو أليمَ التجافي

كم قرأنا القرآن حزباً فحزباً
نبتدي من (هودٍ) أو الأعراف

ثم فسّرنا الآيَ شقتْ علينا
مثل آي (الشورى) أو الأحقاف

باحثين عن كل شرح مبين
جلّ في فحواه الدليلُ الوافي

كم تبادلنا أمسيات التآخي
واغترفنا الوداد خيرَ اغتراف

كم رحلنا للبر ، ثم رجعنا
في ليال مرّتْ كما الأطياف

كم نفضنا عنا غبار نعاس
حال دون المسير والتطواف

كم سمعنا المحاضراتِ الحواني
أسها توحيدُ الإله الكافي

كم تراحمنا بيننا باحترام
كم تودّدنا بيننا بإتلاف

كم تعاطفنا نبتغي الأجر عُقبى
مقتفين الآثار خير اقتفاف

زاهدين في العيش أطيب زهدٍ
قاصدين الرحمن ذا الألطاف

طالبين الجناتِ عند مليكٍ
إذ بهن رب الأنام يُكافي

ثم ندّ عنا رذيلٌ جبانٌ
ما احتفى بالعادات والأعراف

عبدَ المال والهوى والتدني
بالمئين – الكلامُ – والآلاف

والعقارُ من كل صوب وحدْب
والملايينُ اليوم بالأضعاف

وعليه الأرباحُ تختال زهواً
بعد أن زالت ثروة المستاف

عاد مثل الطاووس يمشي الهُوينى
من رآه قال: اشفنا يا شافي

بعد لبس الرخيص من كل ثوب
جاءنا في الديباج والأصواف

كم عجبتُ للنذل يُمسي ويُضحي
في نعيم باد وآخر خافي

لم يخصّ الرفاق قط بشيءٍ
حيث باراهم في اللقا بالتجافي

تعس المالُ ، كم سبا من عقول
فاشتكتْ بعد السبي سوءَ انحراف

أيها النذلُ نحن بالفقر أغنى
إننا نحيا بالتقى والعفاف

لم نثق بالدنيا أتت أو تناءت
ولنا في مولانا يقينٌ صافي

والغنى لا عن كثرة المال ، صدّقْ
بل غِنى النفس لو بعيش الكفاف

خسرتْ نفسٌ تحسبُ المالَ يُغني
كم بذا خلقٌ جاهروا باعتراف

ليس معبوداً ، بل وسيلة عيش
نحن بين موافق ومُنافي

وأرى من يوافق القول شهماً
والمنافي نذلٌ وغِرٌ وغافي

أيها النذلُ نحن ننصحُ حقاً
بوصايا كالوابل الغرّاف

مشفقين عليك من سوء عُقبى
فيه تبكي بالمَدمع الذرّاف

تبْ إلى الله ، وانتصح يا سفيهاً
وعظنا اليوم واضح الأهداف

وتذكّرْ ما كنت فيه ، وأقصرْ
خلّ عنك تيه السنين العِجاف

يقبلُ المولى من يتوب نصوحاً
قبل موتٍ مؤجل ، أو ذعاف

© 2022 - موقع الشعر